الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

تونس.الاستعمار اللغوي الدكتور محمود الذوادي

قادتنا كتبُنا ودراساتُنا ومقالاتنا باللغات الثلاث حول المسألة اللغوية بالمجتمع التونسي منذ أكثر من ربع قرن الى كتابةَ معالم ومؤشرات هذا البيان حول الاستعمار اللغوي النفسي في هذا المجتمع. يتكوّن هذا النص من عشر فقرات:
1 ـ نعرّف الاستعمارَ اللغوي النفسي بالمجتمع التونسي بأنه يتمثل في أمرين : أ- استعمال الافراد والمؤسسات شفويا وكتابيا كثيرا للغة الفرنسية بدل اللغة العربية / الوطنية داخل حدود الوطن. ب انتشار موقف نفسي عام بين معظم التونسيات والتونسيين يحمل نظرة دونية نحو اللغة العربية سواء كانوا على الأرض التونسية أو خارجها. وهو ما نطلق عليه 'الاستعمار اللغوي النفسي' أو فقدان التعريب النفسي'. يستمر الحضور القوي لهذا الاستعمار لدى الخاصة والعامة من الشعب التونسي بعد رحيل الاستعمار الفرنسي بأ كثر من خمسة عقود من الزمن وبعد ما يقرب من سنتين من حدث 'الثورة' في 14/01/2011 . يفيد تحليل العلوم الاجتماعية لهذه الظاهرة أن معلم الاستعمار النفسي هو الأخطر لأنه طالما يكون هو السبب في ميل وتفضيل التونسيات والتونسيين استعمال اللغة الفرنسية بدل اللغة العربية.
2 ـ تؤكد الملاحظةُ والدراسة أن الاستعمار اللغوي النفسي ينتشر كثيرا بين أغلبية التونسيات والتونسيين الذين تعلموا ودرسوا في نظام التعليم التونسي المزدوج اللغة : عربية وفرنسية وحيث تُهيمن اللغة الفرنسية وثقافتها على خريجي المدارس الفرنسية ومدرسة الصادقية ونظام التعليم التونسي العام المزدوج اللغة والثقافة بعد الاستقلال. وفي المقابل، نجد التونسيات والتونسيين الذين تلقوا تعليمهم باللغة العربية أمثال خريجي التعليم الزيتوني ونظيره في شعبة (أ) المعربة بالكامل في مطلع الاستقلال في المرحلتين الاعدادية والثانوية متحمسين للدفاع على لغة الضاد. أي أن الازدواجية اللغوية التونسية المتحيزة للفرنسية في عهديْ الاستعمار والاستقلال هي المصدر الأول لنشأة الاستعمار اللغوي النفسي وتفشيه وتصلب عوده بين جُلّ المتعلمين والمثقفين التونسيات والتونسيين. ونتيجة لذلك فهم فاقدون للعلاقة الطبيعية مع اللغة العربية التي غالبا ما يعتبرونها نفسيا وفي الاستعمال في شؤونهم الشخصية والمجتمعية وكأنها لغة ثانية أو ثالثة.
3 ـ تُعبّر ما نسميها الازدواجية اللغوية الأمارة لدى معظم التونسيات والتونسيين على معلم بارز لسلوكهم اللغوي المتأثر بوزر الاستعمار اللغوي النفسي الفرنسي. فهذه الازدواجية اللغوية تحرم اللغة العربية من التمتع بالمكانة الأولى لدى اغلبية هؤلاء. اذ أن أصحاب الازدواجية اللغوية الأمارة نجدهم غير مدفوعين تلقائيا للذود عن لغتهم الوطنية وغير مبالين إزاء عدم استعمالها في حاجاتهم الشخصية وفي ما بينهم وفي أسرهم واجتماعاتهم ومؤسساتهم بحيث تصبح عندهم في حالات عديدة كأنها ليست باللغة الوطنية. يُعتبر مثلُ هذا السلوك كأنه مؤامرة ضد اللغة العربية قبل الثورة وبعدها تشنها بصمت أو علنا الغالبيةُ الساحقة من معظم الفئات والطبقات الاجتماعية التونسية.
4 ـ عُرف في العهد البورقيبي أن مَحاضر اجتماعات الوزراء كانت تُكتب بالفرنسية. كما عُرف أن الرئيس بورقيبة استعمل الفرنسية عوضا عن العربية في لقاءاته مع القادة الأمريكيين أو الألمان على سبيل المثال عند زياراته لبلديْ هؤلاء. أي تقع ترجمة كلام الرئيس بورقيبة إلى مخاطَبيه من الفرنسية وليس من اللغة العربية إلى الإنكليزية أو الألمانية. كما أن الرئيس الحالي محمد المنصف المرزوقي خاطب باللغة الفرنسية في قصر قرطاج رئيسَ إيطاليا أثناء زيارته لتونس. وفعل نفس الشيء عندما تحدث الى الجمعية الفرنسية في زيارته الأخيرة لباريس. فإذا كان أعلى هرم السلطة السياسية في عهديْ الجمهورية الأولى والثانية يتبنى ويرحب بممارسة ما يمليه عليه تأثيرُ الاستعمار اللغوي سلوكيا ونفسيا، فإن أغلبية التونسيات و التونسيين سيتبنون سلوكيات تحقير ومركبات نقص نحو لغتهم الوطنية / العربية، وبالتالي نحو هويتهم. أوليس الناس على دين ملوكهم في الغالب؟
5 ـ تشير الأمثلة أعلاه بكثير من الشفافية أن السلوكيات اللغوية لدى القمة والقاعدة التونسيتين إزاء اللغة العربية سلوكيات مهينة بكل مقاييس احترام اللغة الوطنية في المجتمعات صاحبة السيادة الكاملة. ولا يمكن أن تأتي ممن له علاقة طبيعية نفسية سليمة مع لغة مجتمعه. لذا، فثقل حضور الاستعمار اللغوي النفسي لدى أغلبية الشعب التونسي هو العامل الأول والحاسم في ظاهرة اغتراب التونسيات والتونسيين عن لغتهم العربية.
لا يقتصر أثرُ عامل بقاء الاستعمار اللغوي النفسي الفرنسي على حالة الاغتراب اللغوي عند هؤلاء بل يقود الى انعكاسات سلبية على سلوكياتهم ويأتي في طليعتها سلوكيات النفاق أو الكذب. فعلى سبيل المثال أقرّ كاتبو دستور 1959 أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للشعب التونسي. لكن سلوكيات معظم هؤلاء وغيرهم من التونسيات والتونسيين لاحقا تشير وكأن اللغة العربية لغة أجنبية لا لغة وطنية كما ينادي بذلك الدستور (كبُرمقتا عند الله أن تقولوا ما لاتفعلون). يساعد هذا الوضع اللغوي الاستعماري النفسي على خلق شخصية قاعدية تونسية مهزومة مثقلة بأنماط متعددة من أوزار مركبات النقص التي تقود التونسيات والتونسيين إلى التقليد الأعمى للغالب/الغرب والرضا والدفاع حتى عن استمرار الاستعمار اللغوي النفسي الفرنسي لأنه في تصورهم المغشوش والخاطئ تفتح على المستعمر الأمر الذي يؤكد أن الذكاء التونسي قاصر عن ادراك ورؤية الاستعمار غير المادي (اللغوي والثقافي والنفسي) الذي يُعتبر أخطر أنواع الاستعمار جميعا.
6 ـ يتضح مما سبق أن المجتمع التونسي في مأزق حقيقي مع لغته الوطنية الوحيدة. فمن جهة، يعترف مواطنو ودستور هذا المجتمع بأن اللغة العربية هي اللغة الوطنية. ومن جهة ثانية، فانتشار استعمال لغة المستعمر والنظر بالدونية الى اللغة العربية يجعلان كأن هذه الأخيرة ليست بلغة وطنية حقا. فهذا التناقض الفاضح يضع التونسيات والتونسيين في مأزق مُنكَر قادتْ مسيرةَ المجتمع التونسي اليه النخبُ السياسية والثقافية ' الحداثية' التي حرصتْ وتحرص على المحافظة على عُرى التبعية اللغوية والثقافية للمستعمر الفرنسي بعد الاستقلال. فالمَخْرج من هذا المأزق بعد الثورة يكون بالقيام : 1- إما بإلغاء اعتبار اللغة العربية اللغة الوطنية الوحيدة للبلاد التونسية. 2- وإما بثورة مجتمعية كاملة لصالح التحرر من نير الاستعمار اللغوي النفسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق