الضيف الذي أكل
كثيرا وتكتم قليلا
استضاف نوفل الورتاني الكاتبَ الصحفيَّ المصريَّ عمر طاهر لدردشة حول معرض الكتاب في دورته الأولى بعد الثورة، فاستبشرتُ بالضيف رغبة في اكتشاف أفكاره وطرائفه. فهو نفس الرجل الذي ذهبت إلى المعرض بحثا عنه لأستمع إلى محاضرته حول الكتابة الساخرة والثورة. فذلك الموضوع يهمّني من قريب، وقد خصّصتُ له فصلا كاملا في كتابي المغمور'قالت لي الثورة'. ولكنّي عدت بخفّيْ حنينٍ بعد أن فـتّشت في كل القاعات المخصّصة للندوات، وسألت المشرفين دون جدوى، فقد ألغيت المحاضرة أو أجّلت إلى موعد لاحق. ثمّ تضاعفت خيبتي بعد برنامج 'لاباس'، فلم نسمع ما يشفي الغليل من الضيف في حضرة المضيّف الذي يتكلّم كالعادة أكثر من ضيوفه. وفي نقده لكلّ ما يحدث في تونس ما بعد الثورة، تهكّم الورتاني على المعرض ومنظّميه لأنّهم تسامحوا مع مظاهر التجارة الموازية التي انتشرت في أرجائه، فبيعت العطور وأنواع العود والحلوى وكلّ ما يسدّ رمق الجائعين جوعَ البطون، وجلب الورتاني بعض ما يؤكل حجّة على المنظّمين... ولكنّها حجّة لهم حسب رأيي العقليّ والمعويّ، فروّاد المعرض محتاجون بالضرورة إلى المأكل والمشرب بعد جولة بين الرفوف تستغرق ساعات. لذلك توجّهت شخصيّا إلى تلك الخيمة الجميلة التي اتّخِذ لها مكانٌ قصيّ في الساحة الخارجيّة لقصر المعارض حيث يطبخ خبز محشوّ بكامخ يُعرف في الجنوب التونسيّ باسم المطبّقة، وهي غذاء متكامل أفضل بكثير من البيتزا والساندويتش الذي ترجمه العرب بقولهم 'شاطر ومشطور بينهما كامخ'، ولكنّ الترجمة لم تصمد وسقط الكامخ وبقي الساندويتش وفضّل الشاطرون عبارة الشطيرة.
أمّا الخيمة فمازالت صامدة، وهي بمن فيها نافذة وكتاب مفتوح على ثقافتنا وجذورنا. وقد كان الإقبال عليها وعلى خبزها عظيما إلى حدّ الازدحام. وقفت في طابور طويل، وسلّيت نفسي خلال الانتظار بالخواطر وأحلام اليقظة، فخِلْتُ أنّني جالس في الخيمة مكان الرجل الذي يقدّم الخبز لحرفائه، أوقّع على كتابي المغمور الذي أصبح مشهورا فتوافد عليه القرّاء وتدافع من حولي الصحافيّون يطلبون مواعيد لمحاورتي... حتّى وصلت إلى بائع المطبّقة اللذيذة الساخنة فناولني واحدة أيقظتني حرارتها ممّا أنا فيه من الأوهام. فالازدحام لا يُرى إلاّ حول موائد الطعام، أمّا جوع العقول فلا رغبة في إشباعه بعد أن تغيّر الزمن، فلم يعد للكتاب جليس يؤنسه وانزوى في ركن لا تصل إليه الأيدي إلاّ نادرا. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ الكتاب الورقيّ سائر نحو الاختفاء، ليفسح المجال لوريثه الذي أخذ يفرض نفسه شيئا فشيئا وهو الكتاب الإلكترونيّ، وتصفّحه لا يخلو من المتعة التي خَبِرَها الأديب أحمد أمين حين كان يقضي أغلب أوقاته في الاستمتاع بالقراءة بعد أن تحدّث عن أثمن ما يوجد في بيت والده: 'أمّا أكثر ما في البيت وأثـمنه وما يشغل أكبر حيّـز فيه فالكتب. المنظرة مملوءة دواليب صفّفت فيها الكتب، وحجرة أبي مملوءة بالكتب وحجرةٌ في الدور الأوّل ملئت كذلك بالكتب. وكان أبي مولعا بالكتب في مختلف العلوم... وكانت هذه المكتبة أكبر متعة لي حين استطعت الاستفادة منها. وقد احتفظت بخيرها واتخذته نواة لمكتبتي التي أعتزّ بها وأمضي الساعات فيها كلّ يوم إلى الآن'. رحم الله أحمد أمين الذي نفعنا بسيرته في كتابه -حياتي- حيث يذكّرنا بقيمة الكتب كما تفعل معارض هذه الأيّام ولكنّها تصدمنا بأثمانها التي ارتفعت دون أن تحوّل كتّابها إلى أثرياء. فتجارة الكتب لا تُغني إلاّ بعض الناشرين الذين يتمتّعون بكلّ أنواع الدعم من بعض المؤسّسات الحكوميّة والجهات الثقافة، ويأخذون النصيب الأوفر من أرباح الكتاب الذي يجد رواجا، ولا يدفعون لصاحبه الذي سهر الليالي طلبا للعلا إلاّ مبلغا زهيدا يساهم في أرَقِه فيسهر الليالي طلبا للعلل.
وأعود للضيف المصريّ الساخر الذي تكلّم قليلا وأكل كثيرا، فزاد ذلك في خفّة ظلّه، وقد دافع (مثلي) عن التجارة الموازية، وقال إنّها نوع من الاحتفال بذلك العرس الثقافيّ كما يحدث في مصر. ولأنّ الورتاني لا يحبّ من يخالفه الرأي فقد انتقل بسرعة للحديث عن كتب السحر والشعوذة التي تروّج بكثافة في معارض الكتب حسب قوله، وفتح كتابا لعائض القرني (وهو لا يعرفه) إذ قدّمه على أنّه من الأموات. وقرأ له فقرة لتنبيهنا إلى مخاطر بعض الكتب الدينيّة، فذكّرنا بوصاية الحاكم على رعيّته، وبنفس تلك الوصاية، انتصب جماعة برنامج بلا مجاملة في وقفة طلليّة للبكاء على أيّام مقصّ بن علي الذي كان 'باسطا ذراعيه بالوصيد' حارسا لكهف عهده الدكتاتوريّ لصدّ الكتّاب وقراطيسهم...
ولعلّ برامج أخرى احتفلت بالكتاب وبمعرضه بطريقة أفضل ممّا شاهدنا في التونسيّة وحنّبعل، ولعلّ غيرها يحتفل يوما بكتابي المتواضع فيشير إليه من قريب أو بعيد ولو أنّ ذلك مستبعد بشدّة، والسبب جاء في مقالة الصحفيّ الساخر سليم عزوز الذي يرى أنّ لبعض المثقّفين شخصيّة أو ظروف تحول دون ذيوع صيتهم وانتشار فكرهم، خاصّة إذا لم يكن لهم شلّة، 'والانخراط في شلة هو من حيثيّات الانتشار'... ومع ذلك نحمد الله على الشلّة التي نقرأ لها والشلّة التي تقرأ لنا، أمّا انصرافنا عن الشلّة التي لا تقرأ أبدا فلا أسف عليه، ولا رجعة فيه، فأكثر هؤلاء يدّعون في كلّ علم فلسفةَ ولكنّهم أشبه بحمار يحمل أسفارا. وفي الحادثة التالية ما يؤكّد رأينا.
براءة عطوان
ليست هذه المرّة الأولى ولا الأخيرة التي يُزجّ فيها بقلم الزميل الكاتب عبد الباري عطوان افتراء وتضليلا للرأي العام في خضمّ الحراك الذي تعيشه تونس منذ قيام الثورة. عمل يقوم به ناشطون في الظلّ، عجزوا عن مواجهة خصومهم بوجوه مكشوفة وظلّوا يروّجون لأكاذيب رديئة ينسبونها للمشاهير من الكتّاب والمثقّفين. في هذا السياق زعموا أنّ عطوان بشّر - في معرض تحليله للمشهد التونسيّ- بثورة جديدة على الظلاميّين: 'إني أتوقع ثورة جديدة خلال شهرين بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل والمجتمع المدني وبقية أحزاب المعارضة بما فيها حزبي الترويكا الحاكمة ضدّ القوى الظلاميّة ... ولا أعتقد أن الأمن سيكون في المواجهة بل في حماية الشعب من ميليشيات الحزب الحاكم جنبا إلى جنب مع الجيش...'. تحليل سخيف، وقراءة للغيب في غاية الركاكة والتفاهة عجز من ألّفها حتّى عن كتابة نصّ بلغة خالية من الأخطاء. كان يمكن تجاهل الأمر بعد قراءة سريعة تبرّئ عبد البارئ من خطاب مشوّش المبنى والمعنى، ولكنّ ذِكْرَ المقالة منسوبة لعطوان من نائب منتخب في برنامج تلفزيونيّ يشاهده الآلاف جعلني لا أستبعد أنّ جهة بعينها تريد الترويج لرسالة مشبوهة عبر ذلك القلم بالذات لِمَا في مِدَادِهِ و مَدَاهُ من رصيد جلب له احترام القرّاء وثقة المراقبين. ففي برنامج التاسعة مساء على تلفزيون التونسيّة، ذكر محمود البارودي المقالة حجّةَ بإمضاء عطوان للتنبيه إلى مخاطر تتهدّد التونسيّين... فقرّرتُ ركوب الفأرة عاجلا للبحث عن مصدر ذلك البهتان، وأسعفني 'السيّد جوجل' الباحث المدقّق بنتائج تثبت أنّ المقالة لا أثر لها في صحيفة القدس العربي أو في مواقع أخرى تماثلها في مستوى الحرفيّة والنزاهة. فأغلب الروابط تحطّ بنا في صفحات التواصل الاجتماعيّ حيث اخترعت تلك المقالة الزائفة لتلفيق الأخبار ونشر الأكاذيب. ولمزيد التعقّب، دخلت على حسابي بالفيسبوك فوجدت صديقي وأستاذي الشاعر المنصف الوهايبي قد شارك في نشر تلك المادّة، على وجه الخطأ أو العجلة دون التثبّت من مضمونها، وقد سارعت بكتابة تعليق ينبّهه إلى كونها ملفّقة...
وتذكّرت لشاعرنا الوهايبي مقالة نشرها بالقدس العربي تضمّنت ما رواه الجاحظ في كتابه الحيوان عن العرب الذين كانوا يستهدون بالنباح: 'يضيع العربيّ ليلا وهو في الصحراء ولا يجد الضائع بدّا من أن يستنبح، ويأخذ العربيّ في النباح عسى أن يجاوبه كلب من هنا وكلب من هناك، فيقتفي صوت الكلاب حتى يبلغ منازل قبيلته'. وأبحر الوهايبي في أغوار الحكاية ودلالاتها حتّى شبّه انتقال الثورة من تونس إلى مصر بما يحدث بين الكلاب والديكة من عدوى النباح والصياح. والصورة 'جميلة' بقبحها الذي ينطبق من باب أولى على بعض المتكلّمين في السياسة من الذين تفرّقت بهم السبل في الآونة الأخيرة، بعد أن فشلت جميع مساعيهم لتعطيل المسار الانتقالي، فاستنبح بعضهم بعضا لتناقل الأكاذيب على صفحات الفيسبوك حتّى انتشر إفكهم كالوباء، وصدّقه الذين لم يقرأوا يوما مقالة لعطوان ليميّزوا بين الغثّ والسمين وبين الحقّ والبهتان. فلهؤلاء نقول: ادخلوا البيوت من أبوابها. وعنوان البيت القدس العربيّ.
' كاتب تونسي
abderguirat@gmail.com
استضاف نوفل الورتاني الكاتبَ الصحفيَّ المصريَّ عمر طاهر لدردشة حول معرض الكتاب في دورته الأولى بعد الثورة، فاستبشرتُ بالضيف رغبة في اكتشاف أفكاره وطرائفه. فهو نفس الرجل الذي ذهبت إلى المعرض بحثا عنه لأستمع إلى محاضرته حول الكتابة الساخرة والثورة. فذلك الموضوع يهمّني من قريب، وقد خصّصتُ له فصلا كاملا في كتابي المغمور'قالت لي الثورة'. ولكنّي عدت بخفّيْ حنينٍ بعد أن فـتّشت في كل القاعات المخصّصة للندوات، وسألت المشرفين دون جدوى، فقد ألغيت المحاضرة أو أجّلت إلى موعد لاحق. ثمّ تضاعفت خيبتي بعد برنامج 'لاباس'، فلم نسمع ما يشفي الغليل من الضيف في حضرة المضيّف الذي يتكلّم كالعادة أكثر من ضيوفه. وفي نقده لكلّ ما يحدث في تونس ما بعد الثورة، تهكّم الورتاني على المعرض ومنظّميه لأنّهم تسامحوا مع مظاهر التجارة الموازية التي انتشرت في أرجائه، فبيعت العطور وأنواع العود والحلوى وكلّ ما يسدّ رمق الجائعين جوعَ البطون، وجلب الورتاني بعض ما يؤكل حجّة على المنظّمين... ولكنّها حجّة لهم حسب رأيي العقليّ والمعويّ، فروّاد المعرض محتاجون بالضرورة إلى المأكل والمشرب بعد جولة بين الرفوف تستغرق ساعات. لذلك توجّهت شخصيّا إلى تلك الخيمة الجميلة التي اتّخِذ لها مكانٌ قصيّ في الساحة الخارجيّة لقصر المعارض حيث يطبخ خبز محشوّ بكامخ يُعرف في الجنوب التونسيّ باسم المطبّقة، وهي غذاء متكامل أفضل بكثير من البيتزا والساندويتش الذي ترجمه العرب بقولهم 'شاطر ومشطور بينهما كامخ'، ولكنّ الترجمة لم تصمد وسقط الكامخ وبقي الساندويتش وفضّل الشاطرون عبارة الشطيرة.
أمّا الخيمة فمازالت صامدة، وهي بمن فيها نافذة وكتاب مفتوح على ثقافتنا وجذورنا. وقد كان الإقبال عليها وعلى خبزها عظيما إلى حدّ الازدحام. وقفت في طابور طويل، وسلّيت نفسي خلال الانتظار بالخواطر وأحلام اليقظة، فخِلْتُ أنّني جالس في الخيمة مكان الرجل الذي يقدّم الخبز لحرفائه، أوقّع على كتابي المغمور الذي أصبح مشهورا فتوافد عليه القرّاء وتدافع من حولي الصحافيّون يطلبون مواعيد لمحاورتي... حتّى وصلت إلى بائع المطبّقة اللذيذة الساخنة فناولني واحدة أيقظتني حرارتها ممّا أنا فيه من الأوهام. فالازدحام لا يُرى إلاّ حول موائد الطعام، أمّا جوع العقول فلا رغبة في إشباعه بعد أن تغيّر الزمن، فلم يعد للكتاب جليس يؤنسه وانزوى في ركن لا تصل إليه الأيدي إلاّ نادرا. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ الكتاب الورقيّ سائر نحو الاختفاء، ليفسح المجال لوريثه الذي أخذ يفرض نفسه شيئا فشيئا وهو الكتاب الإلكترونيّ، وتصفّحه لا يخلو من المتعة التي خَبِرَها الأديب أحمد أمين حين كان يقضي أغلب أوقاته في الاستمتاع بالقراءة بعد أن تحدّث عن أثمن ما يوجد في بيت والده: 'أمّا أكثر ما في البيت وأثـمنه وما يشغل أكبر حيّـز فيه فالكتب. المنظرة مملوءة دواليب صفّفت فيها الكتب، وحجرة أبي مملوءة بالكتب وحجرةٌ في الدور الأوّل ملئت كذلك بالكتب. وكان أبي مولعا بالكتب في مختلف العلوم... وكانت هذه المكتبة أكبر متعة لي حين استطعت الاستفادة منها. وقد احتفظت بخيرها واتخذته نواة لمكتبتي التي أعتزّ بها وأمضي الساعات فيها كلّ يوم إلى الآن'. رحم الله أحمد أمين الذي نفعنا بسيرته في كتابه -حياتي- حيث يذكّرنا بقيمة الكتب كما تفعل معارض هذه الأيّام ولكنّها تصدمنا بأثمانها التي ارتفعت دون أن تحوّل كتّابها إلى أثرياء. فتجارة الكتب لا تُغني إلاّ بعض الناشرين الذين يتمتّعون بكلّ أنواع الدعم من بعض المؤسّسات الحكوميّة والجهات الثقافة، ويأخذون النصيب الأوفر من أرباح الكتاب الذي يجد رواجا، ولا يدفعون لصاحبه الذي سهر الليالي طلبا للعلا إلاّ مبلغا زهيدا يساهم في أرَقِه فيسهر الليالي طلبا للعلل.
وأعود للضيف المصريّ الساخر الذي تكلّم قليلا وأكل كثيرا، فزاد ذلك في خفّة ظلّه، وقد دافع (مثلي) عن التجارة الموازية، وقال إنّها نوع من الاحتفال بذلك العرس الثقافيّ كما يحدث في مصر. ولأنّ الورتاني لا يحبّ من يخالفه الرأي فقد انتقل بسرعة للحديث عن كتب السحر والشعوذة التي تروّج بكثافة في معارض الكتب حسب قوله، وفتح كتابا لعائض القرني (وهو لا يعرفه) إذ قدّمه على أنّه من الأموات. وقرأ له فقرة لتنبيهنا إلى مخاطر بعض الكتب الدينيّة، فذكّرنا بوصاية الحاكم على رعيّته، وبنفس تلك الوصاية، انتصب جماعة برنامج بلا مجاملة في وقفة طلليّة للبكاء على أيّام مقصّ بن علي الذي كان 'باسطا ذراعيه بالوصيد' حارسا لكهف عهده الدكتاتوريّ لصدّ الكتّاب وقراطيسهم...
ولعلّ برامج أخرى احتفلت بالكتاب وبمعرضه بطريقة أفضل ممّا شاهدنا في التونسيّة وحنّبعل، ولعلّ غيرها يحتفل يوما بكتابي المتواضع فيشير إليه من قريب أو بعيد ولو أنّ ذلك مستبعد بشدّة، والسبب جاء في مقالة الصحفيّ الساخر سليم عزوز الذي يرى أنّ لبعض المثقّفين شخصيّة أو ظروف تحول دون ذيوع صيتهم وانتشار فكرهم، خاصّة إذا لم يكن لهم شلّة، 'والانخراط في شلة هو من حيثيّات الانتشار'... ومع ذلك نحمد الله على الشلّة التي نقرأ لها والشلّة التي تقرأ لنا، أمّا انصرافنا عن الشلّة التي لا تقرأ أبدا فلا أسف عليه، ولا رجعة فيه، فأكثر هؤلاء يدّعون في كلّ علم فلسفةَ ولكنّهم أشبه بحمار يحمل أسفارا. وفي الحادثة التالية ما يؤكّد رأينا.
براءة عطوان
ليست هذه المرّة الأولى ولا الأخيرة التي يُزجّ فيها بقلم الزميل الكاتب عبد الباري عطوان افتراء وتضليلا للرأي العام في خضمّ الحراك الذي تعيشه تونس منذ قيام الثورة. عمل يقوم به ناشطون في الظلّ، عجزوا عن مواجهة خصومهم بوجوه مكشوفة وظلّوا يروّجون لأكاذيب رديئة ينسبونها للمشاهير من الكتّاب والمثقّفين. في هذا السياق زعموا أنّ عطوان بشّر - في معرض تحليله للمشهد التونسيّ- بثورة جديدة على الظلاميّين: 'إني أتوقع ثورة جديدة خلال شهرين بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل والمجتمع المدني وبقية أحزاب المعارضة بما فيها حزبي الترويكا الحاكمة ضدّ القوى الظلاميّة ... ولا أعتقد أن الأمن سيكون في المواجهة بل في حماية الشعب من ميليشيات الحزب الحاكم جنبا إلى جنب مع الجيش...'. تحليل سخيف، وقراءة للغيب في غاية الركاكة والتفاهة عجز من ألّفها حتّى عن كتابة نصّ بلغة خالية من الأخطاء. كان يمكن تجاهل الأمر بعد قراءة سريعة تبرّئ عبد البارئ من خطاب مشوّش المبنى والمعنى، ولكنّ ذِكْرَ المقالة منسوبة لعطوان من نائب منتخب في برنامج تلفزيونيّ يشاهده الآلاف جعلني لا أستبعد أنّ جهة بعينها تريد الترويج لرسالة مشبوهة عبر ذلك القلم بالذات لِمَا في مِدَادِهِ و مَدَاهُ من رصيد جلب له احترام القرّاء وثقة المراقبين. ففي برنامج التاسعة مساء على تلفزيون التونسيّة، ذكر محمود البارودي المقالة حجّةَ بإمضاء عطوان للتنبيه إلى مخاطر تتهدّد التونسيّين... فقرّرتُ ركوب الفأرة عاجلا للبحث عن مصدر ذلك البهتان، وأسعفني 'السيّد جوجل' الباحث المدقّق بنتائج تثبت أنّ المقالة لا أثر لها في صحيفة القدس العربي أو في مواقع أخرى تماثلها في مستوى الحرفيّة والنزاهة. فأغلب الروابط تحطّ بنا في صفحات التواصل الاجتماعيّ حيث اخترعت تلك المقالة الزائفة لتلفيق الأخبار ونشر الأكاذيب. ولمزيد التعقّب، دخلت على حسابي بالفيسبوك فوجدت صديقي وأستاذي الشاعر المنصف الوهايبي قد شارك في نشر تلك المادّة، على وجه الخطأ أو العجلة دون التثبّت من مضمونها، وقد سارعت بكتابة تعليق ينبّهه إلى كونها ملفّقة...
وتذكّرت لشاعرنا الوهايبي مقالة نشرها بالقدس العربي تضمّنت ما رواه الجاحظ في كتابه الحيوان عن العرب الذين كانوا يستهدون بالنباح: 'يضيع العربيّ ليلا وهو في الصحراء ولا يجد الضائع بدّا من أن يستنبح، ويأخذ العربيّ في النباح عسى أن يجاوبه كلب من هنا وكلب من هناك، فيقتفي صوت الكلاب حتى يبلغ منازل قبيلته'. وأبحر الوهايبي في أغوار الحكاية ودلالاتها حتّى شبّه انتقال الثورة من تونس إلى مصر بما يحدث بين الكلاب والديكة من عدوى النباح والصياح. والصورة 'جميلة' بقبحها الذي ينطبق من باب أولى على بعض المتكلّمين في السياسة من الذين تفرّقت بهم السبل في الآونة الأخيرة، بعد أن فشلت جميع مساعيهم لتعطيل المسار الانتقالي، فاستنبح بعضهم بعضا لتناقل الأكاذيب على صفحات الفيسبوك حتّى انتشر إفكهم كالوباء، وصدّقه الذين لم يقرأوا يوما مقالة لعطوان ليميّزوا بين الغثّ والسمين وبين الحقّ والبهتان. فلهؤلاء نقول: ادخلوا البيوت من أبوابها. وعنوان البيت القدس العربيّ.
' كاتب تونسي
abderguirat@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق