الثلاثاء، 19 مارس 2013

حبست نفسي أمام قناتين لا ثالث لهما: فرانس 24 التي كانت تبثّ مباشرة من مداخن الفاتيكان، والوطنيّة الأولى التي نقلت على الهواء الكلمات الملتهبة لنوّاب المجلس التأسيسيّ.

تزامنت طقوس انتخاب البابا الجديد للفاتيكان مع جلوس الحكومة التونسيّة تحت قبّة التأسيسيّ لنيل ثقة النواب. وامتدّ ذلك التزامن على يومين، الثلاثاء الذي تصاعد فيه الدخان الأسود، والأربعاء الذي انتخب فيه البابا كما فهمنا من الدخان الأبيض.
وكنتُ وأنا أتابع الحدثين كأبي العلاء المعرّي رهين المحبسَيْن. فقد حبست نفسي أمام قناتين لا ثالث لهما: فرانس 24 التي كانت تبثّ مباشرة من مداخن الفاتيكان، والوطنيّة الأولى التي نقلت على الهواء الكلمات الملتهبة لنوّاب المجلس التأسيسيّ. ومشاهدة الوقائع الانتخابيّة في ذلك الإطار المتزامن تغرينا بتدبّر ما ظهر فيها من الآيات المتشابهات، ولكنّ الانتقال المستمرّ بين الفضائيّتين أحدث عندي تناسخا بين الأشخاص والأحداث حتّى خيّل لي في النهاية أنّ الدخان الأبيض تصاعد من قبّة المجلس التأسيسيّ بعد تزكية النوّاب لتشكيلة الحكومة التونسيّة الجديدة، وأنّ علي العريّض حصل على الثلثين من أصوات الكرادلة في عزلتهم الانتخابيّة بالفاتيكان وأطلّ من الشرفة ليخاطب المؤمنين قائلا: 'صلّوا من أجلي وامنحوني بركتكم'، في حين كان البابا خورخي ماريا برغوليو واقفا أمام مصطفى بن جعفر الذي سأله السؤالين المُحْكَمين في العرف البابويّ: 'هل تقبل أن تكون الحبر الأعظم لحكومة الترويكا؟ وما هو الاسم الذي تختاره؟'. ولقد قبل المهمّة واختار من الأسماء فرانسيس الأوّل. ولهذا الاسم المستعار أجراس موسيقيّة ألطف على الأسماع من خورخي برغوليو... وتواجه الكنيسة من جهة والبلاد التونسيّة من جهة أخرى أزمات وتحدّيات، وعلى الرجلين المختارين معالجتها بسرعة وحكمة... وفي زحمة التقارير التي تحدّثت عن أعباء هذا وذاك، بلغ التداخل ذروته خاصّة في مجال الفساد وملفّاته المتشعّبة. وتزاحمت صور الأحداث فلم أعد أميّز بين الكرادلة والوزراء أثناء تأديتهم للقسم... ويبدو أنّني غفوت أثناء تلك المواكب الخاشعة التي تجلب النعاس، ولم أفق إلاّ على رائحة شيء يحترق، ففزعت خوفا على الديمقراطيّة التي صار لها مدخنة. ولمّا فتحت عينيّ، وجدت دخانا أسود يلفّني في غرفة الجلوس، فعجبت من وصوله السريع إلى البيوت واستغربت سواده مع انتخاب البابا وتزكية الحكومة، قبل أن أدرك بفعل الروائح المصاحبة أنّ الشاي قد احترق. فهرولت إلى المطبخ لأطفئ النار ولسان حالي يقول: الحمد لله، فاحتراق الشاي أهون علينا من احتراق الديمقراطيّة
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق