في أي حال، فإن الاحتجاجات الجهويّة نادرة في مصر، إذا ما قورنت بغيرها
من البلدان، إلا أنّ حالة انتفاضة بورسعيد الحاليّة هي الحالة الأولى من
نوعها، التي اتّخذت طابعاً جهوياً واسعاً وتحوّلت إلى عصيانٍ مدنيٍّ. وتكشف
هذه الانتفاضة عن أنّه على رغم استقرار هذه النّزعات، فإنّها لا تزال
فاعلةً؛ ومردّ ذلك هو سياسات النّظام السّابق التي لم تركِّز على مسيرة
بناء الأمّة، ولا على إنشاء هويّة سياسيّة قائمة على أساس المواطنة. ولأنّ
الدّولة المصريّة في العقود الماضية، لم تكن ترى أنّ من مهمّاتها تحقيق
الاندماج الاجتماعيّ، فإنّها لم تكن تتصرّف في النِّزاعات الأهليّة بغير
منطق ردّة الفعل، ورعاية المصالحات الاجتماعيّة. وهو ما يعني أن الدّولة
المصريّة لم تتعوّد على التّعامل قانونيّاً مع أحداث العنف ذات الطابع
اللاسياسيّ، إذ أن حكم الاعدام الذي صدر في 26 كانون الثاني (يناير) الماضي
وتكرّر في 9 آذار (مارس) الحالي، يكاد يكون الأوّل من نوعه الذي أُحيل
النّظر فيه على القضاء.
وما يميّز مدينة بورسعيد عن غيرها من المدن، هو نموّ شخصيةٍ جهويّةٍ خاصّةٍ بها، نتجت أساساً من مقاومتها المحتلّ الأجنبي. وتمتدّ الجذور التّاريخية للمقاومة فيها إلى قصّة إنشائها كمستعمرةٍ أوروبيّةٍ على أرضٍ مصريّةٍ، وجرى اختيار موقعها وتخطيطها لتخدم المصالح الأوروبيّة أساساً. وقد نتج من ذلك تناقضٌ بين سُكّان المدينة الأجانب وأهاليها الأصليّين، الذين كانوا أكثر إحساساً من بقيّة المصريين بالثورة ضد المستعمر، بسبب امتيازات سكانها الأوروبيين. كما كان للمدينة دور رئيسي في الأحداث الكبرى في تاريخ مصر اللاحق، في العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956، وحرب 1967، وكانت منصّةً لعمليّات حرب الاستنزاف ومعركة التّحرير في العام 1973. فقد عانت مدن القناة ـ وخصوصاً مدينتا بورسعيد والسّويس ـ كثيراً في حرب الاستنزاف، حين طاولها الدّمار. وكان لا بدّ من نشأة هويّاتٍ جهويّةٍ في مناطق التّخوم، وتاريخٍ مشتَرَكٍ في المقاومة، لتبرز «الشّخصية البورسعيديّة» و«الشّخصيّة السويسيّة» ـ إن صحّت التّسمية ـ في نهاية المطاف.
وتمثّـلت تعبيرات الهويّة الجهويّة لمدينة بورسعيد، في محاولاتٍ قام بها أهالي المدينة ومثقّفوها لتوثيق هذه الحالة، في العقدين الأخيرين. فقد جرى تسجيل اللّهجة البورسعيديّة، وتوثيق خصوصيّة المطبخ البورسعيديّ. كما أنّ مصطلحات مثل «الشّعب البورسعيديّ» شائعةٌ جدّاً في لغة أهل المدينة، حتّى أنَّ أحد النوّاب البورسعيد يّين في مجلس الشّعب في العام 2005، احتجَّ على العمل السينمائيّ «السيّد أبو العربي وصل» الذي يتناول سيرة شاب بورسعيديٍّ مخادعٍ، ووصفه بأنّه «مُهينٌ للشّعب البورسعيديّ»، ليأمر محافظ المدينة لاحقاً بوقف عرضه.
وما يميّز مدينة بورسعيد عن غيرها من المدن، هو نموّ شخصيةٍ جهويّةٍ خاصّةٍ بها، نتجت أساساً من مقاومتها المحتلّ الأجنبي. وتمتدّ الجذور التّاريخية للمقاومة فيها إلى قصّة إنشائها كمستعمرةٍ أوروبيّةٍ على أرضٍ مصريّةٍ، وجرى اختيار موقعها وتخطيطها لتخدم المصالح الأوروبيّة أساساً. وقد نتج من ذلك تناقضٌ بين سُكّان المدينة الأجانب وأهاليها الأصليّين، الذين كانوا أكثر إحساساً من بقيّة المصريين بالثورة ضد المستعمر، بسبب امتيازات سكانها الأوروبيين. كما كان للمدينة دور رئيسي في الأحداث الكبرى في تاريخ مصر اللاحق، في العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956، وحرب 1967، وكانت منصّةً لعمليّات حرب الاستنزاف ومعركة التّحرير في العام 1973. فقد عانت مدن القناة ـ وخصوصاً مدينتا بورسعيد والسّويس ـ كثيراً في حرب الاستنزاف، حين طاولها الدّمار. وكان لا بدّ من نشأة هويّاتٍ جهويّةٍ في مناطق التّخوم، وتاريخٍ مشتَرَكٍ في المقاومة، لتبرز «الشّخصية البورسعيديّة» و«الشّخصيّة السويسيّة» ـ إن صحّت التّسمية ـ في نهاية المطاف.
وتمثّـلت تعبيرات الهويّة الجهويّة لمدينة بورسعيد، في محاولاتٍ قام بها أهالي المدينة ومثقّفوها لتوثيق هذه الحالة، في العقدين الأخيرين. فقد جرى تسجيل اللّهجة البورسعيديّة، وتوثيق خصوصيّة المطبخ البورسعيديّ. كما أنّ مصطلحات مثل «الشّعب البورسعيديّ» شائعةٌ جدّاً في لغة أهل المدينة، حتّى أنَّ أحد النوّاب البورسعيد يّين في مجلس الشّعب في العام 2005، احتجَّ على العمل السينمائيّ «السيّد أبو العربي وصل» الذي يتناول سيرة شاب بورسعيديٍّ مخادعٍ، ووصفه بأنّه «مُهينٌ للشّعب البورسعيديّ»، ليأمر محافظ المدينة لاحقاً بوقف عرضه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق