لقد سقطت مصر كلّها في قبضة الفوضى، التي
امتدّت لتشيع في كلّ جنبات المجتمع، الذي انفرط إلى شعوب وقبائل، كلّ يدور
في فلك خاص به. وفي ظل هذا الوضع صار القانون مستباحاً، وصار تحدّي القانون
والضرب به عرض الحائط شيئاً عادياً، حتى باتت جهات تعلن مسؤوليّتها جهاراً
عن حرق هذا المقرّ أو ذاك، من دون أن يخالجها أي شك في أن أحداً لن
يعاقبها أو يسائلها.
هي محرقة ممتدة بطول خارطة مصر وعرضها، بعدما خرجت من حالة الدولة إلى حالة اللاقانون، ومن ثم فأحكام القضاء باتت تتساوى مع وجهات النظر والتغريدات والتصريحات الاعلامية، وفي وسط هذا الغبار الكثيف لم يعد أحد يهتمّ بمآلات هذا التفلّت من القانون.. والأخطر أن أحداً لم يعد يشغل باله بقراءة الأحداث، أو ينشغل ببحث المقدّمات حتى يتوقّع النتائج ويستعدّ لمواجهة ردود الأفعال بعدها. وبصدور قرار المحكمة بحق المتّهمين في مجزرة بورسعيد، بدت مصر وكأنها تتّجه نحو المجهول. فالقرار لم يرض أحد طرفين: أهالي المتّهمين وأهالي ضحايا المجزرة. وغضب أي منهما يأتي فيما تشهد البلاد انسحاباً للشرطة من الأماكن الحيوية، وأمناً ذاتياً بدأت تلوح نذره.
لكن المخاوف من موجة العنف أضيف إليها سبب آخر، بعد إعلان الجماعة الإسلامية في أسيوط تولّيها الكامل لمسؤولية الأمن في المحافظة، إثر قيام عناصر الشرطة في المحافظة بالاضراب عن العمل، وغلق المراكز والأقسام بالجنازير والسلاسل. وأكدت الجماعة، إحدى أبرز الجماعات في الثمانينيات التي خاضت معارك ضد الدولة، أنها ستلجأ إلى «تدريب المتطوّعين على تدريبات أولويّة لإدارة شؤون الأمن وتسيير دوريات أمنيّة، إذا ظل الأمن مختلاً في البلاد». الاختلال الأمني يوضح مع مرور الوقت أن ما حدث في بورسعيد طوال الأسابيع الماضية مهّد له. ففيما فجّر إصدار أحكام بالاعدام على واحد وعشرين من المتّهمين من أهالي بورسعيد، في كانون الثاني (يناير) الماضي، احتجاجات واسعة النطاق أعقبها سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، وانتهت الى إعلان العصيان المدني في المدينة، بدا أن هذا العصيان كان اللبنة الأولى في عصيان جهاز الشرطة.
والأخير يعاني انهيار قدرته على الصمود في مواجهة احتجاجات المدنيين المنتشرة بين المحافظات. وهي عدوى فاقمت، بدورها، عدوى انضمام قطاعات جديدة من قوّات الأمن المركزي إلى الاضراب، وشملت كبرى المحافظات: (القاهرة، الإسكندرية، جنوبي بورسعيد)، وأدّت إلى إطاحة قائد هذه القوّات اللواء ماجد نوح، بقرار من وزير الداخلية محمد إبراهيم. لكن إقالة نوح ليست المطلب الأهمّ للمحتجّين الذين يصرّون على رحيل إبراهيم، وإبعاد الأمن المركزي عن الصراعات والخلافات السياسية. هذا الارتباط بين محاكمة المتّهمين في «مجزرة بورسعيد» وبوادر انهيار جهاز الشرطة، بلغ أشدّه في بورسعيد بعدما انسحبت الشرطة من حماية مديرية أمن بورسعيد ومبنى مقرّ المحافظة، وهو ما أدّى إلى تقدّم قوّات الجيش وتسلّمها مهامّ حماية المنشأتين، اللتين كانتا مسرحاً لمواجهات متواصلة بين الأمن والمتظاهرين.
البعد الجهوي
وتتّسم انتفاضة بورسعيد بميزة البعد الجهوي، فهي الأولى التي تأخذ هذا المنحى منذ «ثورة 25 يناير»، وهو ما يؤشّر الى انكماش الوحدة الوطنية وفتح المجال أمام النزعات الجهوية والقبلية والأهليّة. كما طبع التردّد تعامل السلطة الحاكمة مع هذه الاحتجاجات، واستغلال المعارضة لها في المواجهة المفتوحة التي دشّنتها مع الرئاسة المصرية. وعبّر سكان بورسعيد من خلال انتفاضتهم عن إحساس بالظلم والتهميش، وهو إحساس قديم، لكنه أنتج هذه المرّة احتجاجات عنيفة بعد الذي مرّت به البلاد أثناء المرحلة الانتقاليّة، إذ سادت لغة العنف، وتعلّم النّاس أنّ الدّولة لا تستمع إلّا لصوت القوّة. فمنذ «فكِّ السِّحر» عن النِّظام السابق في مصر، وإسقاطه بفعل احتجاجات شعبيّة واسعة، اهتزّت هيبة الدّولة.
وكان لـ«مجزرة ستاد بورسعيد»، التي راح ضحيّتها أربعة وسبعون قتيلاً، بعد نهاية مباراة كرة القدم بين فريقي الأهلي والمصري في شباط (فبراير) من العام 2012، الدور الأساسي في تأجيج الاحتجاجات في بورسعيد وتحوّلها إلى العنف، مما تسبّب في سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوّات الأمن والمحتجّين. فمباشرة بعد صدور أحكام أوّلية بالاعدام في حق 21 من المتّهمين في القضية في 26 كانون الثاني (يناير) الماضي، هاجم أهالي المحكوم عليهم سجن بورسعيد الذي أُودع فيه أبناؤهم، ممّا أدّى إلى سقوط عددٍ من القتلى من الشّرطة ومن المحتجّين، وانتشار حالةٍ من الفوضى في مدينة بورسعيد، واستخدام بعض المحتجِّين الأسلحة الناريّة.
غير أن خلفيّات احتجاجات بورسعيد الحالية لا تتوقّف عند قضية «مجزرة» مباراة الناديين الأهلي والمصري، إذ إنها أقدم من ذلك، بل إن أحداث تلك المجزرة جاءت أيضاً على خلفيّات سابقة ذات بعد جهويّ.
وتعدّ مدينة بورسعيد المدينة الاقتصادية الثالثة في مصر بعد القاهرة والإسكندرية. ويمكن القول إنها المركز الاقتصادي الأول في منطقة قناة السويس. وعلى خلاف ما يشاع في وسائل الاعلام، فإن المدينة لم تشك من تهميش في العهود السابقة، لا بل على العكس من ذلك، فإن الانطباعات تفيد بأن سكان المدينة حظوا بامتيازات بتوظيف أبنائهم في شركات القناة ومؤسّسات الدولة، وهو ما زاد في عمق التوتّر بين أهالي مدينة السويس والسلطات. وما يؤكد هذا الأمر، هو عدد العاملين في القطاع العام من أبناء المدينتين، إذ يزيد عددهم بشكل ملحوظ في بورسعيد على أمثالهم في السويس. وفي الوقت الذي تصل فيه نسبة البطالة في بورسعيد الى اثنين وعشرين في المئة، فإنها تتجاوز الاثنين والثلاثين في المئة في السويس. ويشار الى أن ارتفاع نسبة يد العاملة بين النساء في بورسعيد مردّه الى تغيير نمط الحياة الاجتماعية التي تطوّرت مع تحويل المدينة الى سوق حرّة في العام 1967. وعلى ما يبدو، فإن ارتفاع تلك النسبة جعل أهالي بورسعيد يحجمون عن المشاركة بكثافة في «ثورة 25 يناير» قياساً بأهالي السويس وغيرها من المدن.
هي محرقة ممتدة بطول خارطة مصر وعرضها، بعدما خرجت من حالة الدولة إلى حالة اللاقانون، ومن ثم فأحكام القضاء باتت تتساوى مع وجهات النظر والتغريدات والتصريحات الاعلامية، وفي وسط هذا الغبار الكثيف لم يعد أحد يهتمّ بمآلات هذا التفلّت من القانون.. والأخطر أن أحداً لم يعد يشغل باله بقراءة الأحداث، أو ينشغل ببحث المقدّمات حتى يتوقّع النتائج ويستعدّ لمواجهة ردود الأفعال بعدها. وبصدور قرار المحكمة بحق المتّهمين في مجزرة بورسعيد، بدت مصر وكأنها تتّجه نحو المجهول. فالقرار لم يرض أحد طرفين: أهالي المتّهمين وأهالي ضحايا المجزرة. وغضب أي منهما يأتي فيما تشهد البلاد انسحاباً للشرطة من الأماكن الحيوية، وأمناً ذاتياً بدأت تلوح نذره.
لكن المخاوف من موجة العنف أضيف إليها سبب آخر، بعد إعلان الجماعة الإسلامية في أسيوط تولّيها الكامل لمسؤولية الأمن في المحافظة، إثر قيام عناصر الشرطة في المحافظة بالاضراب عن العمل، وغلق المراكز والأقسام بالجنازير والسلاسل. وأكدت الجماعة، إحدى أبرز الجماعات في الثمانينيات التي خاضت معارك ضد الدولة، أنها ستلجأ إلى «تدريب المتطوّعين على تدريبات أولويّة لإدارة شؤون الأمن وتسيير دوريات أمنيّة، إذا ظل الأمن مختلاً في البلاد». الاختلال الأمني يوضح مع مرور الوقت أن ما حدث في بورسعيد طوال الأسابيع الماضية مهّد له. ففيما فجّر إصدار أحكام بالاعدام على واحد وعشرين من المتّهمين من أهالي بورسعيد، في كانون الثاني (يناير) الماضي، احتجاجات واسعة النطاق أعقبها سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، وانتهت الى إعلان العصيان المدني في المدينة، بدا أن هذا العصيان كان اللبنة الأولى في عصيان جهاز الشرطة.
والأخير يعاني انهيار قدرته على الصمود في مواجهة احتجاجات المدنيين المنتشرة بين المحافظات. وهي عدوى فاقمت، بدورها، عدوى انضمام قطاعات جديدة من قوّات الأمن المركزي إلى الاضراب، وشملت كبرى المحافظات: (القاهرة، الإسكندرية، جنوبي بورسعيد)، وأدّت إلى إطاحة قائد هذه القوّات اللواء ماجد نوح، بقرار من وزير الداخلية محمد إبراهيم. لكن إقالة نوح ليست المطلب الأهمّ للمحتجّين الذين يصرّون على رحيل إبراهيم، وإبعاد الأمن المركزي عن الصراعات والخلافات السياسية. هذا الارتباط بين محاكمة المتّهمين في «مجزرة بورسعيد» وبوادر انهيار جهاز الشرطة، بلغ أشدّه في بورسعيد بعدما انسحبت الشرطة من حماية مديرية أمن بورسعيد ومبنى مقرّ المحافظة، وهو ما أدّى إلى تقدّم قوّات الجيش وتسلّمها مهامّ حماية المنشأتين، اللتين كانتا مسرحاً لمواجهات متواصلة بين الأمن والمتظاهرين.
البعد الجهوي
وتتّسم انتفاضة بورسعيد بميزة البعد الجهوي، فهي الأولى التي تأخذ هذا المنحى منذ «ثورة 25 يناير»، وهو ما يؤشّر الى انكماش الوحدة الوطنية وفتح المجال أمام النزعات الجهوية والقبلية والأهليّة. كما طبع التردّد تعامل السلطة الحاكمة مع هذه الاحتجاجات، واستغلال المعارضة لها في المواجهة المفتوحة التي دشّنتها مع الرئاسة المصرية. وعبّر سكان بورسعيد من خلال انتفاضتهم عن إحساس بالظلم والتهميش، وهو إحساس قديم، لكنه أنتج هذه المرّة احتجاجات عنيفة بعد الذي مرّت به البلاد أثناء المرحلة الانتقاليّة، إذ سادت لغة العنف، وتعلّم النّاس أنّ الدّولة لا تستمع إلّا لصوت القوّة. فمنذ «فكِّ السِّحر» عن النِّظام السابق في مصر، وإسقاطه بفعل احتجاجات شعبيّة واسعة، اهتزّت هيبة الدّولة.
وكان لـ«مجزرة ستاد بورسعيد»، التي راح ضحيّتها أربعة وسبعون قتيلاً، بعد نهاية مباراة كرة القدم بين فريقي الأهلي والمصري في شباط (فبراير) من العام 2012، الدور الأساسي في تأجيج الاحتجاجات في بورسعيد وتحوّلها إلى العنف، مما تسبّب في سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوّات الأمن والمحتجّين. فمباشرة بعد صدور أحكام أوّلية بالاعدام في حق 21 من المتّهمين في القضية في 26 كانون الثاني (يناير) الماضي، هاجم أهالي المحكوم عليهم سجن بورسعيد الذي أُودع فيه أبناؤهم، ممّا أدّى إلى سقوط عددٍ من القتلى من الشّرطة ومن المحتجّين، وانتشار حالةٍ من الفوضى في مدينة بورسعيد، واستخدام بعض المحتجِّين الأسلحة الناريّة.
غير أن خلفيّات احتجاجات بورسعيد الحالية لا تتوقّف عند قضية «مجزرة» مباراة الناديين الأهلي والمصري، إذ إنها أقدم من ذلك، بل إن أحداث تلك المجزرة جاءت أيضاً على خلفيّات سابقة ذات بعد جهويّ.
وتعدّ مدينة بورسعيد المدينة الاقتصادية الثالثة في مصر بعد القاهرة والإسكندرية. ويمكن القول إنها المركز الاقتصادي الأول في منطقة قناة السويس. وعلى خلاف ما يشاع في وسائل الاعلام، فإن المدينة لم تشك من تهميش في العهود السابقة، لا بل على العكس من ذلك، فإن الانطباعات تفيد بأن سكان المدينة حظوا بامتيازات بتوظيف أبنائهم في شركات القناة ومؤسّسات الدولة، وهو ما زاد في عمق التوتّر بين أهالي مدينة السويس والسلطات. وما يؤكد هذا الأمر، هو عدد العاملين في القطاع العام من أبناء المدينتين، إذ يزيد عددهم بشكل ملحوظ في بورسعيد على أمثالهم في السويس. وفي الوقت الذي تصل فيه نسبة البطالة في بورسعيد الى اثنين وعشرين في المئة، فإنها تتجاوز الاثنين والثلاثين في المئة في السويس. ويشار الى أن ارتفاع نسبة يد العاملة بين النساء في بورسعيد مردّه الى تغيير نمط الحياة الاجتماعية التي تطوّرت مع تحويل المدينة الى سوق حرّة في العام 1967. وعلى ما يبدو، فإن ارتفاع تلك النسبة جعل أهالي بورسعيد يحجمون عن المشاركة بكثافة في «ثورة 25 يناير» قياساً بأهالي السويس وغيرها من المدن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق